الأحد، 29 يناير 2012

عيونُ القلب (قِصةٌ قصيرة)



عادت سُلاف من المدرسة الثانوية بعد قضاء يومٍ دراسيّ بارد. فتحت بابَ المنزلِ الضخم، أخذت تتأملُ غرفةَ المعيشة الواسعة وكأنها تراها لأول مرة. الجدرانُ البيضاء، والأرائكُ البنفسجيةِ الفاخِرة، واللوحةُ الكبيرةُ التي تُثري المكان. جذبتها رائحةُ كعكٍ فرنسي أعدتهُ الطاهية، وضعت حقيبتها بهدوءٍ على الأريكةِ، وذهبت باتزانِ أميرةٍ إلى حيثُ المطبخ.
أتت لتقضِمَ أوّل قِطعَةٍ فَسمِعت صوتَ أقدامٍ تنزلُ الدرجَ بشكلٍ حثيث. تركت كعكتها في مكانها وركضت مناديةً والدتها، ظنًّا أنّها ستتمهل، أو حتى ترُدّ بحرف، لكنها لم تفعل. ما إنْ توسطت سُلاف غرفة المعيشَةِ حتى أُغلِقَ بابُ المنزلِ بعُنف. كانت ترغبُ بشدةٍ أن تُلقي التحية عليها وتُعانقها بعد أنْ عادت من مؤتمرٍ في فرنسا دامَ أسبوعًا. لملمت بصعوبةٍ رُفاتَ قلبِها الذي تناثر حولها وذهبت إلى غرفتِها وخادمَتَها خلفها تحملُ لها الحقيبة. ارتدت ملابسَ النومِ وتوسّدت نفسَها بنفسِها، وسيلٌ من الأفكارِ أغرقها حتى النُخاع، أخرجت دفترَ مُذكراتها من خلفِ لوحةٍ ذات بروازٍ فضيِّ، إنّ هذا المكان يوفرُ الأمان الذي تحتاجهُ للاطمئنانِ على أفكارها وهواجيسها التي أتعبتها. سكبت أفكارها في الدفترِ كالعادة، لا لشيءٍ، فقط لأنّ لا أحد حولها يوفرُ وقتًا للاستماعِ إليها، منذُ أن خرجت للدنيا وهي لا تعرِف سوى مربيتها أمينة، فوالدتها طبيبةُ أسنان، أمّا والدُها فهوَ طيّارٌ ينتقِلُ من مدينةٍ لأخرى دونَما انقطاعٍ، ولذلكَ لا يرى أحدُهما الآخر في غيرِ الإجازاتِ الرسميةِ القصيرة و صباحاتٍ نادرة جدًّا، يظنانِ أنّ توفير الأكلِ والشربِ وأفخمَ أنواعِ الملابس وأرقى المدارس هو كل ما تحتاجهُ ابنتهما، لكنّها تفتقِرُ إلى شيءٍ أبسط من كل ما قدّماهُ من مادياتٍ لها، هي تفتقِرُ فقط إلى حنانِ الأُم وَوجودِ الأب، جرّبت ذاتَ انكِسارٍ أنْ تشكوَ لصديقاتِها مُرَّ حالِها، ولكنهنّ تهربنَ منها و وَصفنها بالمعقدة، كُانوا منطقياتٍ للغاية، أمّا سُلاف فهي عاطفيةٌ جدًّا وتعبيريةٌ إلى حدٍّ كبير.
قامت بتشغيلِ إحْدى أُغنياتِها المُفضّلة، وَبدأت تدوِّنُ أولَ الصفحةِ بجُملةٍ عَميقةٍ تقولُ فيها :
"إنّ الموسيقى الحزينةَ تجعلُ أعيُننا تغرغِرُ فائضًا من الدموعِ البائسةِ التي تنْهالُ من محاجِرنا، تلكَ التي لم تعُد تحتمِلُ المزيدَ مِن الكمَدِ، وأدمِغتنا التي تكادُ أنْ تتوقفَ عن العملِ بسببِ حقائبِ الهُمومِ التي نجرُّها خلفنا كُل مساءٍ وندسُّها تحتَ أغطيةِ أسِرّتنا مُحاولينَ بذلكَ إخْفاءها عن سُخرياتِ الآخرين!"  
فثبقت عينها! لم تُرِد أن تبكِ، فبكاؤها اليومي المتواصل يضعفها، يدمرُ شيئا ما بداخلها، ويهزُّ شخصيتها، ويُرهِقُ تلافيفَ دماغِها، ويحفِرُ في وجنتيها خرائطًا مدى العُمُرِ!
ليسَ اليتيمُ يتيمُ الأم و الأب ** بل اليتيم من له أما تخلّت وأبا مشغولا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق