الاثنين، 30 يناير 2012

رؤية*


يُحكى أنّ شابًا عشرينيًا، غايتهُ الاستثمار في جمهورية الصين، فقرر أن يتعلم لغتها رغم تعدد لهجاتها وكثرة أحرفها، حيث يبلغ عدد أحرفها 4000 حرفًا.
طموحٌ عظيم، عززتهُ إرادتهُ العالية، فكما تقول الكاتبة نورة العثمان :" من يكُن ذا إرادة ، يصلُ إلى مُراده".
وضعَ تلك المقولة نصب عينيه، فخطط لمشواره التعليمي الممتع، وبدأ فيه بحماسٍ كبير.
درس صاحبنا وتعلّم إلى أن أوشك على إتقان إحدى لهجات اللغة الصينية، وهو على أتم اليقينٍ بأنه سيمتلك عدة شركات في الصين، حيث فيها تُصنّع ألعاب الأطفال والملابس والأحذية و الأجهزة الإلكترونية وغيرها الكثير من الصناعات. إنّ اقتصاد جمهورية الصين المعتمد على الاستثمار والتصدير، أصبح من أكبر الاقتصاديات الكبرى نموا في العالم.
وبعد مرور سنتين تقريبا، انتقل إلى الصين حاملا معه سيف الأمل ليقتل كل عقبة في طريقه، ونجح في تأسيس شركة صغيرة، وهاهي تكبر الآن أمام عينيه وهو ينظر إليها بكل فخرٍ واعتزاز.
كثير من الناس لم يفكروا في تأسيس شركة مثله، فهو وحده فكّر فيها و أسسها، فكيف اهتدى إلى ذلك؟
سؤال لا أعرف جوابا مختصرا له، لكن لو حصرتُ إجاباتي بكلمة واحدة، لقلتُ إنّها الرؤية.
الرؤية هي الإلهام، هي إحساس نابع من الأعماق، إحساس يهمس لك بعطف " أنت تستطيع ".
الرؤية هي حلمٌ لطالما داعب أجفاننا، حلمٌ جميل باستطاعتنا جلبه إلى واقعنا، وذلك لا يتحقق إلا بالإرادة والنية الخالصة لوجه الله تعالى. وإنّ أفضل رؤية هي ما تكون أعلى من مستوى وقدرة الفرد بقليل، كي يشعُر بروح التحدّي أثناء تحقيقها.
نحن بحاجة ماسة إلى هذه الرؤية، بحاجة إلى إطلاق القدرات العظيمة الكامنة بداخلنا، فكثيرا ما يتردد بعضنا في تحقيق أمنياته وآماله، خوفا من التعليقات الساخرة من قبل أولئك الحسودين، ولكنّ الرؤية تريد منّا الإيمان بها والسعي بكل الطرق لأجلها.
قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كتابه ( رؤيتي ) : "يستطيع القائد أن يطور الرؤية ويطلق لخياله العنان في صياغتها ويرفع أغصانها عاليا، لكنّ جذورها تظل في الأرض."
لكن من أين للإنسان العادي أن يحمل رؤية كهذه ؟
هنالك طريقة بسيطة لطالما فعلتها، واسمها ( غرفة الزمن )
افتح باب غرفة الزمن السرمديّ بكل ثقة، ثم حدد في ركن التاريخ الموجود على يمينك، الزمن الذي تحتاجه لتنفيذ رؤيتك الفذّة ، والآن أمسك بـ " مايكروفون الهمّة " و قل فيه رؤيتك بنبرة حاسمة سعيدة مستخدما صيغة المضارعة، كأن تقول " أنا أكتب أطول رواية في العالم، أو أنا أفضل موظف لهذا الشهر" وليس بنبرةٍ حزينة أو أن تقول : " أنا ربما أكتب أطول رواية في العالم " كما أنّ
صيغة المضارعة هذه مهمة للغاية؛ لأنّها ستترسخ في عقلك الباطن، حيث أنّ ما يؤمن به عقلُك الباطن هو ما تحصل عليه.
فقد قال كلاود بريستول في كتابه (  The Magic Of Believing ) : "إذا كان العقل الواعي هو مصدر الأفكار فإنّ العقل الباطن هو مصدر القوة."
 وإياك والالتفات إلى أولئك المحبطين لعزيمتك، الفاشلين في حياتهم، فهُم سيموتون بغيظهم ما أن تُحقق رؤيتك في وقتها أو أبكر، وبعدما تنتهي من قولها، اخرج من غرفة الزمن كالأسد، واتجه إلى دفترك وارسم فيه خطّتك.
قال الكاتب أندرو ماثيوز: " حدد أهدافك ورسخها وكأنّك قمت بها بالفعل. فإذا أردت مثلا أن تكون شخصا واثقا بنفسه، فحاول أن ترى نفسك دائما وكأنّك مفعم بالثقة، مستخدما في ذلك قدرتك على التخيل. واقنع نفسك بأنك حققت أهدافك، وسيعمل العقل الباطن على تحقيق هذه الفكرة من أجلك."
*جريدة الرياض

الجمرُ بارِد*

لكل منا هدف في هذه الحياة، هدفٌ دنيوي وهدفٌ للآخرة يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. قبل فترةٍ ليست بالطويلة خضتُ تجربةً عظيمة لم أتوقع في حياتي كلها أن امشي فوق الجمر!
لعلك أخي القارئ تستغرب، فمن يستطيع أن يمشي على الجمر؟ ذات يومٍ حضرتُ دورة تدريبية، وفي آخر الوقت طَلب منا المُدرب أن نتوجه إلى الساحةِ الخارجيّة وقالَ لنا الخبرَ الصاعقة بكلّ هدوء (ستقومونَ بالمشي فوقَ الجمر)
علَت وتشابكت أصواتنا، فأخذت إحدى الأخوات «المايكروفون» وسألتهُ إنْ كانَ جادًا فيما قال!
أجابها مطمئنًا: لا تقلقي أختي لقد مشيت فوقه مراراً وتكراراً، وقبل ذلك كنت قد سألت أحد المشايخ من الناحية الشرعية وقال أن لا بأس في ذلك.
وبالفعلِ ذهبنا إلى الساحةِ  وارتدينا عباءاتنا فجاء الدكتور ليقلِب الجمر على العُشب ومشى فوقه أمامنا، ومن ثم ذهبت إحداهُنّ بعدهُ مباشرة، وقد طلب منا مسبقاً بأن نرفع أصواتنا ونحن نسير عليه بقولنا: «الجمر بارد.. الجمر بارد..» إلى أن جاء دوري ومشيت وأنا أصرخ بأعلى ما أمدّني الله من صوت: «الجمر باااردٌ .. بارد.!».
كان الغرض من هذا كله بأن نسعى إلى أهدافنا إذ أنّ بداية ممر الجمر هو بداية الطريق للوصول إلى الهدف؛ واختياره ُللجمر على وجه الخصوص؛ لأنهُ شديد الحرارةِ كانتقادات النّاسِ وتهكُماتِهم. كأنك تتجاوزُهم ولا تعيرهم بالاً، ونهاية الممر هو وصولك إلى هدفك العظيم.
ويقول د.خالد المنيف في كتابهِ (افتح النافذة ثمة ضوء): إنّ قضية النجاح تشغلُ كثيرين فتقومُ قيامتهم عندما يُرقّى شخص، أو يحصل أحدهم على شهادةٍ عليا، وكذلك همُ الفاشِلون يُزعِجُهم النجاح، ويُمرضهم التميُز، لذا تجدُهم يقعدون للناجحين كل مرصد.
ولا أخفي عليك -أخي القارئ- بأنّ الجمر لسعني لكنّ شعوري بالفرح لأني تجاوزت الممر وبسهولة بالغة غلب شعوري بالألم.
جرّب ذلك وامشِ فوق الجمر فما استطاع فعله شخص، تستطيع أنت فعله أيضاً، ويكفيك مرةً في العُمر.
ركز على أهدافك واجعل هدفك دقيقاً فإنّ العقل يُساعِد في الخصوصيات ولا يُساعد في العموميات، فكلما خصصتَ هدفك أكثر ساعدك عقلك أكثر.
إنّ للبشرِ جميعاً قدراتٌ لا محدودة، وطاقاتٌ عظيمة، وجميعنا قادرون على الاستفادةِ منها طالما ملكنا الإرادة القوية والأهدافَ الواضحة.

*جريدة الرياض

الأحد، 29 يناير 2012

عيونُ القلب (قِصةٌ قصيرة)



عادت سُلاف من المدرسة الثانوية بعد قضاء يومٍ دراسيّ بارد. فتحت بابَ المنزلِ الضخم، أخذت تتأملُ غرفةَ المعيشة الواسعة وكأنها تراها لأول مرة. الجدرانُ البيضاء، والأرائكُ البنفسجيةِ الفاخِرة، واللوحةُ الكبيرةُ التي تُثري المكان. جذبتها رائحةُ كعكٍ فرنسي أعدتهُ الطاهية، وضعت حقيبتها بهدوءٍ على الأريكةِ، وذهبت باتزانِ أميرةٍ إلى حيثُ المطبخ.
أتت لتقضِمَ أوّل قِطعَةٍ فَسمِعت صوتَ أقدامٍ تنزلُ الدرجَ بشكلٍ حثيث. تركت كعكتها في مكانها وركضت مناديةً والدتها، ظنًّا أنّها ستتمهل، أو حتى ترُدّ بحرف، لكنها لم تفعل. ما إنْ توسطت سُلاف غرفة المعيشَةِ حتى أُغلِقَ بابُ المنزلِ بعُنف. كانت ترغبُ بشدةٍ أن تُلقي التحية عليها وتُعانقها بعد أنْ عادت من مؤتمرٍ في فرنسا دامَ أسبوعًا. لملمت بصعوبةٍ رُفاتَ قلبِها الذي تناثر حولها وذهبت إلى غرفتِها وخادمَتَها خلفها تحملُ لها الحقيبة. ارتدت ملابسَ النومِ وتوسّدت نفسَها بنفسِها، وسيلٌ من الأفكارِ أغرقها حتى النُخاع، أخرجت دفترَ مُذكراتها من خلفِ لوحةٍ ذات بروازٍ فضيِّ، إنّ هذا المكان يوفرُ الأمان الذي تحتاجهُ للاطمئنانِ على أفكارها وهواجيسها التي أتعبتها. سكبت أفكارها في الدفترِ كالعادة، لا لشيءٍ، فقط لأنّ لا أحد حولها يوفرُ وقتًا للاستماعِ إليها، منذُ أن خرجت للدنيا وهي لا تعرِف سوى مربيتها أمينة، فوالدتها طبيبةُ أسنان، أمّا والدُها فهوَ طيّارٌ ينتقِلُ من مدينةٍ لأخرى دونَما انقطاعٍ، ولذلكَ لا يرى أحدُهما الآخر في غيرِ الإجازاتِ الرسميةِ القصيرة و صباحاتٍ نادرة جدًّا، يظنانِ أنّ توفير الأكلِ والشربِ وأفخمَ أنواعِ الملابس وأرقى المدارس هو كل ما تحتاجهُ ابنتهما، لكنّها تفتقِرُ إلى شيءٍ أبسط من كل ما قدّماهُ من مادياتٍ لها، هي تفتقِرُ فقط إلى حنانِ الأُم وَوجودِ الأب، جرّبت ذاتَ انكِسارٍ أنْ تشكوَ لصديقاتِها مُرَّ حالِها، ولكنهنّ تهربنَ منها و وَصفنها بالمعقدة، كُانوا منطقياتٍ للغاية، أمّا سُلاف فهي عاطفيةٌ جدًّا وتعبيريةٌ إلى حدٍّ كبير.
قامت بتشغيلِ إحْدى أُغنياتِها المُفضّلة، وَبدأت تدوِّنُ أولَ الصفحةِ بجُملةٍ عَميقةٍ تقولُ فيها :
"إنّ الموسيقى الحزينةَ تجعلُ أعيُننا تغرغِرُ فائضًا من الدموعِ البائسةِ التي تنْهالُ من محاجِرنا، تلكَ التي لم تعُد تحتمِلُ المزيدَ مِن الكمَدِ، وأدمِغتنا التي تكادُ أنْ تتوقفَ عن العملِ بسببِ حقائبِ الهُمومِ التي نجرُّها خلفنا كُل مساءٍ وندسُّها تحتَ أغطيةِ أسِرّتنا مُحاولينَ بذلكَ إخْفاءها عن سُخرياتِ الآخرين!"  
فثبقت عينها! لم تُرِد أن تبكِ، فبكاؤها اليومي المتواصل يضعفها، يدمرُ شيئا ما بداخلها، ويهزُّ شخصيتها، ويُرهِقُ تلافيفَ دماغِها، ويحفِرُ في وجنتيها خرائطًا مدى العُمُرِ!
ليسَ اليتيمُ يتيمُ الأم و الأب ** بل اليتيم من له أما تخلّت وأبا مشغولا

كويتُ كويتْ



قالت د.سُعاد الصباح في حُب الكويت: " كويتُ كويتْ .. موانئُ أبحرَ منها الزمان.. وواحةُ حُبٍ وبرُّ أمان.. وشعبٌ عظيمٌ وربٌ كريمٌ.. وأرضٌ يُسيِّجُها العُنفوان.. كويتُ كويتْ .. أشيلُكِ حيثُ ذهبتُ حِجابًا بصدري.. أشيلُكِ بُرعمَ وردٍ بأعماقِ شَعري.. أشيلُكِ في القلبِ وشمًا عميقًا لآخرِ أيامِ عُمري.."


وقلتُ: "كويتُ كويتْ .. آهٍ لو تعلمين.. خلالِ هذه الأربع سنين.. كم في بُعدكِ اكتويت ..
كم لنظراتِ عينيكِ حنّيت.. ها أنا ذا على أرضكِ أنتظرُ.. أنتظرُ بتوْقٍ أنْ أهمِس بأذنكِ (أحبكِ) وتضُمينني كأمٍ .. كأمٍ يا كويتْ" 

في أرضِ الكويت أنا!
أذهبُ لأغتسِل ..
أطهرُ نفسي وروحي.. بصلاةِ شُكر..
أركعُ وأسجد/ أبتهِلُ وأقبّلُ أرضَ الكويت تقبيلة عاشقٍ لمعشوقتهِ و .. وأضمُها بشِدة/ أستشعِرُ دفءَ حنانها/حنانُ الأم..

الحمدُ للهِ أنّي ذهبتُ فالتقيتُ بأناسٍ كنتُ قد خاطبتُ أرواحهم النقيّة..
شعبُ الكويتِ سخيّ.. مواكبٌ للموضة.. مُثقفٌ.. مُحبٌ للتميُّز .. يرِثُ اللانمطية جيلاً بعدَ جيل..
كنتُ أحلمُ بلقاءاتٍ أكثر.. بحواراتٍ أعمق/حصلَ لي ما هوَ أفضل ..


أعشقُ الكويت.. ففيها أحسُ بقلبي يتقافزُ لفرطِ السعادة..
رئتاي تعشوشبان من هوائها.. كنتُ املأهما/أحاولُ جمعَ ما استطعت من الهواءِ و.. وأخبئهُ بداخلهما لوقت الحاجة/وقت العودة..


لحظاتٌ صغيرة بسيطة علمتني:


أنّ من يُحبك سيجدُ ألفَ ألفَ شمعةٍ لإضاءةِ فرصةٍ اللقاءِ المُظلِمة.
أنّ الجُرأةَ -بأدب- تأخذكَ كسفينةٍ لبحرٍ من العلاقاتِ لا ينضبْ.
ألا أسمحَ لأحدٍ بأن يمنعني عن الكتابةِ مهما كانتِ الظروف.. فالإلهامُ أشبه بالسمك؛ إن لم تصطدهُ وقتَ اقترابِه منك.. لن يعودَ لكَ إلا بعدَ مُكابدة وقد لا يعود!
أن أحاولَ مرةً بعد مرة.. ألا أفقِدَ الأمل.. وما أن يُغلق بابٌ في وجهي ويؤلمَ أنفي إلا وأن أفتحَ بابًا أوسعَ منه وأداوي نفسي بنفسي..
أن أصادِقَ الكُل، وأعاملهم بألطفِ الأساليبَ، ولا أُعلي شأنَ شخصٍ على حِسابِ آخر.. فأنا لستُ بدراية عن مكامِن الخير أينَ لها أن تكون!


موقِفٌ لا يُنسى:
كنتُ مع صديقةٍ هُناك في مؤتمر أنا (روح-عقل-عاطفة-جسد) .. فلمحتُ صديقةً أخرى لم أخطط للقائها بعد..
الصُدفة تحمِلُ بينَ طيّاتها فرحة ولِذّة .. واللذةُ هنا لا أقصدُ بها المعنى المؤدي للطعامِ فقط، بل اللذةُ تمكنُ بالتعلمِ، واللقاءِ، والحضورِ المُميز، والكلمات العميقة -تلك التي تحثك على التفكير- ، والترحيبِ العفويّ اللطيف.


نعودُ للموقِف، ناديتُ باسمها، بادرتُ بالمصافحة وخدايَ يقطرانِ حياءً، تبادلنا حديثًا سريعًا، رقيقًا مُدهِشًا، واتفقنا على أن نلتقي في أقرب فُرصة.
وفعلنا، بعدها بيومينِ التقينا لقاءً أشعرني بالقُربِ والراحة، وسّعَ آفاقي بشكلٍ لم أتصوره، أفشت لي بعضًا من أسرارِ الكتابة، وأسعدتني.
لقاءُ الصديقات أشبه بسمكاتٍ تتباهى بذيولٍ ملونة، تريدُ أن تُبهِجَ وتُبهَج، تستمتِع وتُمتِع. لقاءٌ تتجددُ في الأنفُس، وتتوسع فيهِ العقول.

الجمعة، 27 يناير 2012

هذيانٌ لا أكثر!

قلتُها ذاتَ خيبة: "أحيانًا نقسو على الأبرياء، ليسَ لأننا قُساة، بل بسببِ الغيرةِ المُنتفِخة في دواخلنا؛ كانتفاخِ الخميرةِ في الكعك"
وصدقَ قولي ومُعتقدي.
عزِمتُ على ارتداءِ قناعٍ قاسٍ جِدًا -صُنِعَ لي خصيصًا- :ضِد الهدوء، ضِد الحوار، ضِد الحِكمة والحنكة، ضِد الأصدقاء و ..
وحتى الأحِباء.
همِمتُ بإبعادِكَ عن المكانِ الأكثر عفوية والأكثر قُربًا إليّ ..
رُبما رغِبتُ بمساحةٍ خالية .. لا تُذكرني بك!
تخلو من عِطركَ الأنيق، وضحكاتكَ المدغدغة للعواطف/المُهيِّجة للعواصِف ..
ربما وددتُ أن أجرّبَ العيشَ دونك .. أظنهُ شطحُ جنونٍ طفوليّ لا يزالُ يتأرجحُ بقلبي تأرجُحَ طفلةٍ في ساحةِ المدرسة ..
طفلةٍ جريئة تهوى المُغامرة بلا عقل ولا تعقُل .. تُمارِسُ علينا فنّ المسرح!


لكن لمَ كلُ هذا التناقُضِ العجيب؟ 
لمَ كلُ هذا التهرُبِ العبيطِ المُستميت؟
أهوَ بسببِ اقتِرابنا من جُرف الفُراق؟
أم هو تعبيرٌ آخر عن الحُب؟
هل هيَ طريقةٌ مبتكرة تُساعدني على الركوب في قطارٍ تذكرتهُ التكبّرُ والغطرسة على سِكّة الجروح الغائرة؟


أشعرُ بازحامِ كل المخاوف التي يُمكِن أن تتجمّع في ثُغرةٍ ما .. في صدري أنا!
أشعرُ بالأفكارِ تلعبُ بي، وتقذِف بعقلي ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِمال ..


تساؤلٌ عميق: ما حاجتي إلى أن أُحبّ بشرًا ما دامَ الجمادُ يحتوي الصفات التي أُريد؟


إمم .. لا أعلمُ ما الغرض من ذكرِ مثل هذه الأشياء ها هُنا؛ ولكن ما أعلمهُ حقًا هو أنّها مسألةٌ وقتيّةٌ لا أكثر ..

عانقها .. عانقَ مُنيراز


كتبت على وريقة: "أشتاقُ لحُضنٍ بدفئ الشاي .. لكلمةٍ تُثير فيّ انتعاشةً كالتي أشعرُ بها بعد ارتشافه.. وقُبلةٍ بسحره"
دسّتها بخِفةٍ تحت وسادتها ..


مُنيراز تحلُم ..


كانت السماءُ تُمطِر .. فقررتُ أن أمشي ومعي وسادة/ الجوّ باردٌ/ الأرضُ تلِد ..


وفاجأني بعِناق ..
كانَ كما أردتُ لهُ دومًا أن يكون .. مُباغِتًا/ منتِهزًا .. بالتفاصيلِ التي أُريد، بالقُربِ نفسه ..
بالدفءِ نفسه و ..
آمنتُ أنّ عِناقًا واحِدًا فقط، يجلبُ لي فرحًا جاريًا كما النهر، لا لأنهُ يُلملِمُ الشتاتَ فحسب، ولكنهُ أيضًا يُدغدِغُ عروقي/ يلسعُها كموجةِ كهرباء ..
يُكملُ ما فيّ، يزيدُ من طولي مثلًا .. أو يُجمِّلُ شَعري ..
كنتُ أنتظِرُ أيَّ بذرةٍ لفُرصة، شبحٍ لفُرصة، سرابٍ لفُرصة/ حصلتُ عليها ..


ذهبَ كُلٌ منّا في سبيلهِ، وأكادُ لا أنفكّ عن التفكيرِ، تفكيرٌ غير مُبرَّر/ تفكيرٌ في اللاشيء ..


وحدي أمشي فوقَ الهواء، شعرتُ بي خفيفة، وجهي مُلطّخٌ بالسعادة، نظراتي شارِدة وكأنني ..
كأنني عاشِقَة !


أتأمَّلُ الوجوه/ الوجود .. أسرَحُ وفي داخلي أصرُخ ..
كم أودُ أن أرقُص/أُتوَّج لفرطِ بهجتي ..
أُصافِح و ..


أتنهدُ بعشقٍ وأتمتِم: "للتوِّ فقط شعرتُ بأنّ ما أحتاجهُ -وبشدة- قد عادَ إليّ أخيرًا ..
أعادَ لي روحي، قلبي، اطمئناني .. كم أنا .. كم أنا كامِلةٌ مملوءةٌ بالفُرَص!"


صوتٌ قريبٌ يسألني عمّا يجولُ بخُلدي/قلبي ..
أبتسِمُ ببلاهةٍ .. أتجنبُ الرد!
ماذا أقول؟
أأبوحُ بسِرّنا الكبير؟
بأملنا الذي نقتاتُ منهُ كل مساء؟ ..


أمضي على الهواء ..
أجلِسُ على كُرسيّ صلب، أشعرُ أنّ رأسي تتضخم وتتضخم/أُشيحُ بوجهي عن الأضواء/ أسدُ أذناي عن الضوضاء ..
عن كُل ما هو فائضٌ عن الهدوء و ..
أزفِر.