إنّ هذه المقالة تكونت من صورةٍ لمشهد كُتِب عنهُ كثيرًا، ولأولِ مرةٍ يُصوَّر. والتصويرُ الكتابيّ يوقظُ أصحابَ القضية، ولا أقصِدُ بأصحاب القضيةِ هُنا أهل القتيلة، ولكن أولئك الذينَ يهبون حياتهم لخدمةِ فكرة مهمة، أو قضيةٍ عميقة، وجعلوا هِممهُم في الحياة الدفاع عنها ونشر رسالتها بين الناس.
قيلَ أنّ الزوج يُحبُّ زوجتهُ (دليّل)، لم يكُن يحبُّها فحسب، بل كانَ يعشقُها بجنون. لكن، لا حاجةَ للإنسانِ إلى حُبٍ متعسِّفٍ مُستبِد، لا حاجة للإنسانِ إليهِ إنْ لم يكُن يتحلى باحترام، ويُألِّق الوجه بإشراقةٍ وابتسام!
يبدأُ يومُ (دليّل) كيومِ أيّ مُعلمةٍ ناجحة وأُم مُثلى، تجهّز إفطارَ صغارها، وتحمِلُ حقيبتها المُثخنة بأوراقِها وكُتبها ووسائلها التعليمية، وتركبُ وأبناءها سيارةَ زوجِها ليقِلهم كُلٌّ إلى مدرستِه، ثمّ تعودُ لتهتمّ بشؤونِ منزلها، من طبخٍ وكيّ وتدريس، ثمّ تذهبُ إلى المسجدِ كمتطوعة لتحفيظِ القرآن للنساء. كانت راضيةً وقانِعةً بحياتِها على الرُغم من المشاكلِ التي كانَ يثيرُها زوجُها، وضربهِ لها على أتفهِ الأسباب. ذات امتِعاض، وإثرَ الضغطِ الشديد الذي كان يعيشُه، نفّرها من المنزل بعدَ أنْ زادَ الكُلفة، لملمت حقائب ملابسها وحقائبَ جروحها التي نزفت دماءً كُرِّست كُل قطرةٍ منها لإرضائهِ، جرّت أحزانها خلفها وذهبت إلى بيتِ أهلها، إذ لم تقوَ على مزيدٍ من الحُطام المعنوي الجسديّ الذي كانَ يتفاقمُ كُلّ يوم. سابِقًا كانت تستبسِلُ لأجلِ أبنائها فقط، الذينَ يُمثلونَ نُقطةَ ضَعفِها، لم تكُن تستطيع تركَهم مع مدمِن مخدراتٍ وعاطلٍ عن العمل. جِهادُها لم يبقَ طويلًا، خوفُها من فقدِهم ملأها بالهمّ، كانت تريدُ أن تحصل عليهم بأيِّ شكلٍ كان. إنها الأمومةُ التي حركت كُل شيء، وأفنتها بعدها!
كانَ على علمٍ بتلكَ النُقطة فاستغلّ ضُعفها وهددها، لكنها لم تخضع لأمرهِ هذه المرة أبدًا. وفي ظهيرةِ يومٍ مُشمس، خرجَت من عملِها لتجِدَهُ ينتظرُها كما جرت العادة. أوصَلها لبيتِ أهلِها، ترجّلت من السيارة، ولكن فجأة دهسها زوجُها فارتطمت أرضًا، نزلَ من السيارة وربطها من عُنُقِها بحبلٍ متين، وجرّها من السيارة حتى انقطعَ الحبل، ليأتي ويدهسها ويدهسها ويدهسها، مارسَ عليها غضبهُ الرجولي، فكانَ الظلمُ وكانَ الحُطام الجسديّ الذي أصارتها إليه بذاءةُ أفعالِه.
لم يتوقّف عن تهشيمها ودهسِها حتى تأكدَ من موتِها، ثُم لاذَ بالفِرَار. أثارَ فوضىً عارمة في قلوبِ من شهِدَ الحادثة، امتهنها وكأنها ملكيةٌ شخصيةٌ له، كسَر جُمجمتها، وعِظامَ صدرِها، وحطمَ قلبًا كبيرًا، وأخيرًا وليسَ آخِرًا يتّم أطفالها.
وبعدَ كل ذلكَ يأتي القضاءُ ليفجعَ أهلها بحكمِه عليه، لم يرَ القاضي في جريمةٍ كاملةِ الأركانِ إلا فعلاً يستوجِب سَجن اثنتي عشرة سنة وستينَ جلدةٍ فقط!
إنّ حالَ أهلها مؤسِف، منظُر والدتُها وهي تتألمُ عندَ تأمُّلِها كُرسيَّ ابنتها (دليّل) الذي باتَ يشغلهُ اللاشيء، يفطرُ حتى قلوب ذوي اللا شعور.
رحَلت (دليّل) بجسدٍ لا بِروح، نقشَت اسمَها في ذاكرةِ كُل من عرفَها من قريبٍ أو بَعيد، وذلكَ لطيبها، وعطائها غير المجذوذِ لأسرتها وأهلِها وإخوة زوجِها وآخرينَ كُثر!
انتهى زمنُ حسراتِها ولوعاتِها بانتهاءِ عُمرها الصغير، لكنّ عملها الخيِّر وصَبرَها وابتساماتها رُغم آلامها، لم يندثِروا أبدًا تحتَ التُرابِ معها، فاللهُ يومئذٍ سيرفعُها ويُعلي شأنها بإذنه، فما خابَ من صبر لأجل المثوبة واحتسبَ الأجر عندَهُ سُبحانه.
إنّ قضية (دليّل) تعتبر من القضايا الإنسانية المهمة والتي أثارت ضجة كبيرة في الشبكات الاجتماعية -التويتر والفيسبوك- منذ فترة، والتي حاليا خمدت نسبيًا. علينا أن ندرك بكياننا وعقلنا أنّ قضية (دليّل) لم تنتهِ بعد، ونتمسك كما تمسك أهلها بحكم القصاص، ونتتبع جديدها، ونحمل كلنا همها، فالرسام مثلا يرسم لوحةً مؤثرة تهز بدن المجتمع، والكاتب يكتب مقالة قويةً، وهكذا. قرأتُ ذات مرة عن محامٍ كان في إحدى المرات شديد التحمس لخدمة موكليه والدفاع عنهم إلى حد أنه لم يستسلم إلى أن نزفت عيناه. هل يُعتبر هذا الشخص صاحبَ قضية؟ بكل تأكيد. فلنغير المجتمع بما لنا من أثر، وننشُر رسالةً واحدة لكل من يُصغي ومن لا يُصغي. إننا أصحابُ القضية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق