الجمعة، 3 فبراير 2012

مُعلّمة بشهادةٍ من الشُوكولا



أكتبُ وأنا أُغيّرُ ملابسي! أيُعقلُ هذا؟
يُباغِتُنا الإلهامُ دونَ استئذانٍ، في أيّ وقتٍ شاء، في أوقاتٍ حرجة، ولا يخجل! لا يترك الإلهامُ لنا مساحةً فارغة؛ ولهذا يكونُ عاصِفًا.

"يا أطفال هذهِ مُعلمتكم الجديدة" تقولُ معلمتهم.
نجلسُ على شكلِ حلقة، اسألُ باسِمة: كيفَ أصبحتُم؟ يُجاوبونَ بصوتٍ واحد/تعودُ بي الذاكرة إلى الوراء.. إلى أواخر عام 1999
أتذكرُني وأنا أختارُ معلمة تُدرسني/تُدللني .. اخترتُ أجملهُنّ!
أعودُ لعالمهم.
قُصَي، زياد ويزيد يُثرثِرون! أأمرُهم بالصمتِ لحين أن يأتي وقتُ المداخلات والحوارات..

أبدأ بسؤال لأثيرَ حماسهم: "أتعرفونَ ما هي العربيةُ الفُصحى؟"
تتسِعُ أعينهم، ولا يُجاوِبون.. أشرحُ لهم.
الفتيات أكثر تجاوُبًا.. أفتحُ لهم مجالَ الحديث، تخرجُ الفصحى من أفواهِهم بتردُد ضئيل، كمُحاولةِ العُصفورِ الأولى للتحليقِ في رِحاب السماء.
أما الأولاد فكانوا مُصرّين على تسميةِ الدراجاتِ الناريّة بالدباباتِ الناريّة. اسمٌ شقيّ!

يمضي الوقتُ سريعًا، ليأتي وقتُ الوجبة. أذهبُ للفصلِ الآخر القابعِ بجانب هذا الفصل.
كلهم يُحضرونَ وجباتهم، إلا..


ناداني صوتٌ لطيف: "مُعلِّمة.."
ألتفِتُ، وأدنو قُربه/ قُرب عبدالله..
تمتدُّ إليّ يدهُ الصغيرة، ليقول لي بلهجته: "تبينه؟"
أرى 'تويكس'، أبتسمُ بحنانٍ جَم قائلةً: "شُكرًا حبيبي، هو لك.."
بعفويّة الطفولة يقول: "لا، أنا جبته عشانك!
أفيضُ رِقّة، وأُقبِّلُ رأسهُ الدافئ..
أُراقِبه عن كثب.. عن كثب هذهِ المرّة..

أعودُ لغرفةِ المُعلِّمات، أُصافحُ واسيني الأعرج..
أسمعُ تمتمات دُعاء وشهقات..
وأنتفِض!

وفي الساعةِ الأخيرة من اليوم، جلستُ أركبُ مع الصغارِ عماراتٍ أخرى،
شاهقةٌ بإفراط.. سقطت إحداهُنّ فوق رأسي.
سقوطُ الأشياء لا يعني بالضرورة نهايتها،
إنّما قد يكونُ بدايةً جديدة بعد نهاية.

يومٌ آخر: الأربعاء

يُدرَّسون الوطنيّة، الوطن، والمواطنة، وكأنّها شيءٌ أساسي؟
إن لم يشعُرِ الطفلُ بالانتماء؛ فلن تُفيدهُ دروسُ أفضلِ المُدرّسين في هذا العالم كُلّهِ كُلِّه!
يقومونَ بإنشادِ النشيد الوطنيّ، وأنطرِب لأوّل مرة!
لم أكُن أفكّر في معانيهِ حتّى، ولم أكُن أرددهُ.. يومٌ مُختلِف!

بعدَ هدوءِ الجوّ، أخذناهم للملعب، أجلِسُ بجوارِ رائدة الفصل/تراقِبُهم الأعين،
تبوحُ لي بقصةِ طفلٍ آلمت قلبي..

كلهم يحمِلونَ في بطونِ قلوبهم قِصصًا، تدمعُ لها العينُ تعاطُفًا غزيرًا أو فخرًا قليلًا..

لين.. أفهمها أكثر، تتجاوبُ أسرع، تملأُ رأسي بصخبِها.. ضجيجها.. أمُها مُسِنّة، هي ابنتها الوحيدة، تختلِقُ قصصًا عائليّة، قابلة للتصديق! أتعبتني..

أرى عبدالله يتأفف، ويُحادثُ نفسه .. أُناديه!
ألتقي بهِ في أغربِ الظروف وأكثرها اعتياديّة، أقساها - بالنسبةِ لهُ على الأقل - وألطفها وأحنّها وأبكاها..

أسألهُ عددًا من الأسئلة، وأختنِقُ بعبراتي..
أُربِّت على كتفِه، يشعرُ بدفئي ويقترِب أكثر، ويزداد حُبه..
يهمسُ لي بقصّته.. وأتمنى لو أنهُ من السهلِ أخذهُ لمنزلنا، ليلعبَ .. يلعب معي مثلا؟


.. نعودُ إلى الفصل، يأبى قُصيّ كعادتهِ الجلوسَ في حلقة، أتركُ الأطفال في حلقتهم مع المُعلمة..
أحادِثهُ، وتتوارى خلف عينيهِ حكاية موجِعة كعضةِ ذئب!
وأمومةٌ تضيعُ .. بسببِ رجُل!!
أودعهُ بانكسارٍ في عينيّ.. وأمضي غيرَ شارهة على فمي الذي التزم الصمت..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق